ابراهيم بن عمر البقاعي

269

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

لضميرهم تخصيصا للويل بهم لأنهم في معرض الشك : مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا عدوا مكانهم الذي كانوا به - مع ما كانوا فيه من عذاب البرزخ - مرقدا هنيئا بالنسبة إلى ما انكشف لهم أنهم لا قوة من العذاب الأكبر ، ووحدوه إشارة إلى أنهم على تكاثرهم وتباعدهم كانوا في القيام كنفس واحدة ، ثم تذكروا ما كانوا يحذرونه من أن اللّه هو يبعثهم للجزاء الذي هو رحمة الملك لأهل مملكته ، فقالوا مجيبين لأنفسهم استئنافا : هذا ما أي الوعد الذي وَعَدَ أي به ، وحذفوا المفعول تعميما لأنهم الآن في حيز التصديق الرَّحْمنُ أي العام الرحمة الذي رحمانيته مقتضية ولا بد للبعث لينصف المظلوم من ظالمه ، ويجازي كلّا بعمله من غير حيف ، وقد رحمنا بإرسال الرسل إلينا بذلك ، وطال ما أنذرونا حلوله ، وحذرونا صعوبته وطوله . ولما كان التقدير : فصدق الرحمن ، عطف عليه قوله : وَصَدَقَ أي في أمره الْمُرْسَلُونَ * أي الذين أتونا بوعده ووعيده ، فاللّه الذي تقدم وعده به وأرسل به رسله هو الذي بعثنا تصديقا لوعده ورسله . ولما كان الإخبار بالنفخ لا ينفي التعدد ، قال محقرا لأمر البعث بالنسبة إلى قدرته مظهرا للعناية بتأكيد كونها واحدة بجعل الخبر عنه أصلا مستقلا بفضله عن النفخ والإتيان فيه بفعل الكون و « إن » النافية لأدنى مظاهر مدخولها فكيف بما وراءه دون « ما » التي إنما تنفي التمام : إِنْ أي ما كانَتْ أي النفخة التي وقع الإحياء بها مطلق كون إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً أي كما كانت نفخة الإماتة واحدة فَإِذا هُمْ أي فجأة من غير توقف أصلا جَمِيعٌ أي على حالة الاجتماع ، لم يتأخر منهم أحد ، يتعللون به في ترك الانتصار ، ودوام الخضوع والذل والصغار ، ولما كان ذلك على هيئات غريبة لا يبلغ كنهها العقول ، قال لافتا القول إلى مظهر العظمة معبرا بما للأمور الخاصة : لَدَيْنا ولما كان ذلك أمرا لا بد منه ، ولا يمكن التخلف عنه ، عبر بصيغة المفعول وأكد معنى الاجتماع بالجمع نظرا إلى معنى جميع ولم يفرد اعتبارا للفظها لما ذكر من المعنى فقال : مُحْضَرُونَ * أي بغاية الكراهة منهم لذلك بقادة تزجرهم وساقة تقهرهم . ولما كان هذا الإحضار بسبب العدل وإظهار جميع صفات الكمال قال : فَالْيَوْمَ ولما كان نفي الظلم مطلقا أبلغ من نفيه عن أحد بعينه ، وأدل على المراد وأوجز ، قال لافتا القول عن الإظهار أو الإضمار بمظهر العظمة أو غيره ! لا تُظْلَمُ ولما كان التعبير بما كثر جعله محط الرذائل والحظوظ والنقائص أدل على عموم نفي الظلم قال : نَفْسٌ أي أيّ نفس كانت مكروهة أو محبوبة شَيْئاً أي لا يقع لها ظلم ما من أحد